
«إنت وسيم أوي عشان تبقى لوحدك… أعتقد إنك لازم تبقى بابايا!» «إنت وسيم أوي عشان تبقى لوحدك.» قالتها ابنتي ذات الست سنوات في منتصف ممر الإدارة، وهي تحدق مباشرة في أبرد ملياردير في مانهاتن. ثم ابتسمت وقالت بكل براءة: «أنا شايفة إنك لازم تبقى بابايا.» تجمّد كل شخص في المكان. أما أنا، فوقفت في مكاني وأنا متأكدة تمامًا أن حياتي المهنية انتهت. لثانية مرعبة، لم يتحرك أحد. ثم حدث شيء لم أكن أتوقعه أبدًا.
ضحك أحمد الدمنهوري. ليس مجرد ابتسامة مهذبة أو ضحكة خافتة. بل ضحكة حقيقية، عميقة، خرجت منه بلا سيطرة. ضحكة لم أسمعها منه طوال العامين اللذين عملت فيهما تحت إدارته. وكان هذا وحده كافيًا ليجعلني أشعر أن العالم كله انقلب رأسًا على عقب. فذلك الصباح كان قد بدأ بالفعل بكارثة. اتصلت بي المربية قبل السادسة صباحًا، لأن ماسورة مياه انفجرت في المبنى الذي تسكن فيه في كوينز. أمي كانت عالقة في أتلانتا.
وأفضل صديقة لي كانت عالقة في دنفر. لم يتبقَّ أحد يمكنه رعاية ملك. والغياب عن العمل لم يكن خيارًا. في الثالثة والثلاثين من عمري، كنت مديرة إبداعية أولى في واحدة من أكثر شركات تصميم العلامات التجارية الفاخرة تطلبًا في مانهاتن، وكان من المفترض أن نقدم في ذلك اليوم النسخ المعدلة من حملتنا الإعلانية أمام مجلس الإدارة. ورئيسي، أحمد الدمنهوري، لم يكن يتسامح مع الأعذار. كان أحمد في السادسة والثلاثين، وريث مجموعة الدمنهوري القابضة، والملياردير الذي حوّل شركتنا خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أقوى شركات المجال.
عبقري. هادئ. مسيطر. ومخيف إلى حد يجعل أكثر المديرين خبرة يفكرون مرتين قبل أن يتحدثوا أمامه. وكان وسيمًا بشكل مبالغ فيه لدرجة أن الاعتراف بذلك كان يبدو لي تصرفًا غير مهني تمامًا.
طويل القامة، شعره أسود، ملامحه حادة، وعيناه رماديتان مائلتان إلى الأزرق، وكأنهما تلتقطان كل خطأ يرتكبه أي شخص أمامه. ونادرًا ما كان يبتسم. خلال عامين من عملي معه، كانت كل مدــ,,ـــــادثاتنا مختصرة ورسمية وباردة… أبرد من رخام الشتاء.
ولذلك، بالطبع، كان عليَّ أن أحضر طفلتي معي إلى العمل في ذلك اليوم. وضعت ملك طبق الحبوب أمامها على طاولة المطبخ وقلت: «اسمعيني كويس… النهارده هتكوني غير مرئية.» رفعت عينيها نحوي. «زي الشبح؟» «بالضبط. شبح هادي جدًا.» فكرت قليلًا ثم سألت: «والأشباح ينفع تاكل بسكويت؟» «آه.» «وينفع تتفرج على كرتون؟» «بس بالسماعات.» مالت برأسها وقالت: «وينفع الشبح يسأل مديرك الرخم ليه دايمًا مكشر؟» توقفت عن الحركة. «ممنوع منعًا باتًا.» ابتسمت وهي تكمل أكلها.
في الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة، كنا داخل برج المكاتب في بارك أفينيو. جلست ملك في ركن مكتبي، وأحضرت لها كتب تلوين، وجهاز آيباد، وبسكويت، وعصيرين، وفيلها المحشو المفضل فلفل. ولأكثر من ساعة، كانت ملاكًا حقيقيًا. ثم ظهرت مساعدتي عند باب المكتب. «تم تقديم موعد اجتماع مجلس الإدارة. الأستاذ أحمد عايز كل رؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات الرئيسية خلال عشر دقايق.» انحنيت بجوار ملك. «خليكي هنا. ممنوع تخرجي. ممنوع تدوري عليَّ. وممنوع أي مغامرات.»
هزت رأسها بجدية. «طب لو المغامرة هي اللي دورت عليا؟» «مش هتدور عليكِ.» دخلت الاجتماع. استمر ثماني عشرة دقيقة فقط. لكن عند الدقيقة الحادية عشرة، بدأ إحساس غريب ينتابني. إحساس الأم الذي لا يحتاج إلى دليل. وعند الدقيقة السادسة عشرة، كنت أعرف. ابنتي لم تعد في مكتبي. وبمجرد انتهاء الاجتماع، اندفعت إلى الممر. ثم سمعت صوتًا لم أسمعه من قبل.
أحمد الدمنهوري… يضحك. كان الصوت قادمًا من الجناح التنفيذي. ضحكة دافئة وحقيقية، خالية تمامًا من بروده المعتاد.
استدرت عند زاوية الممر… وكادت أن تتوقف أنفاسي. كانت ملك واقفة أمامه مباشرة. وكان أحمد منحنياً لمستواها، يضع إحدى يديه أمام فمه محاولًا إيقاف ضحكته. ثم أشارت ملك إليه بإصبعها وقالت بثقة: «إنت وسيم أوي.» ثم أضافت: «وطويل كمان. وأنا بحب الناس الطوال.» توقفت لحظة. ثم قالت الجملة التي تمنيت بعدها لو أن الأرض انشقت وابتلعتني: «عشان كده… لازم تبقى بابايا.» «ملك!» التفتت إليَّ بسعادة. «هاي يا ماما! أنا لقيت صاحب جديد.»
حدقت فيها وأنا أحاول استيعاب الكارثة. «إنتِ فاكرة أنا قلتلك إيه قبل ما أدخل الاجتماع؟» وقبل أن تجيب، وقف أحمد ببطء. اختفت الضحكة من وجهه. ثم تحولت عيناه الرماديتان إلى عينيَّ. وفجأة، أصبح الممر كله صامتًا. نظر إلى ملك مرة أخرى، ثم قال بهدوء: «ملك… قوليلي، ليه بالظبط شايفة إن مامتك محتاجة إني أبقى باباكي؟» اختفت الابتسامة من وجه ابنتي. ونظرت إليه لثوانٍ. ثم قالت إجابة جعلت قلبي يتوقف… #حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️ثم قالت إجابة جعلت قلبي يتوقف… «عشان ماما بتضحك لما بتبصلك.» اتسعت عيناي. «ملك!» لكنها لم تتوقف. أشارت إليَّ بحماس وقالت: «أنا شفتها الصبح وهي بتبص على صورته في الكمبيوتر.» شعرت بحرارة وجهي ترتفع. أما أحمد… فلم يقل شيئًا. فقط نظر إليَّ. نظرة طويلة، هادئة، جعلتني أتمنى لو كان بإمكاني الاختفاء داخل الحائط. قلت بسرعة: «هي بتألف! الأطفال بيقولوا أي كلام.»
رفع أحمد حاجبه. «أطفال؟» «أيوه.» «يعني هي بتكذب؟» «لا… يعني… مش بالضرورة.» ابتسم ابتسامة صغيرة.
«فهمت.» ثم انحنى أمام ملك مرة أخرى. «بس لسه ما جاوبتينيش. ليه أنا تحديدًا؟» فكرت ملك قليلًا، ثم قالت بكل جدية: «عشان بابايا الحقيقي مش موجود.» سقط الصمت على المكان. اختفت ابتسامتي تمامًا. وشعرت بشيء ينقبــ,,ـــــض داخل صدـ,,ـــري. ملك لم تكن تتحدث عن الأمر عادة. كان والدها قد اختفى من حياتها منذ سنوات، ولم أسمح لنفسي يومًا أن أجعلها تشعر بأنها ناقصة بسبب غيابه.
مددت يدي نحوها. «ملك… تعالي.» لكن أحمد لم يتحرك. ظل ينظر إليها، ثم سألها بصوت أكثر هدوءًا: «ومين قالك إنك محتاجة بابا؟» رفعت كتفيها. «كل أصحابي عندهم بابا.» ثم أضافت بصوت صغير: «وأنا عايزة حد ييجي ياخدني من المدرسة.» شعرت بغصة في حلقي. مددت يدي إليها، لكنها سبقتني ووضعت يدها الصغيرة داخل يد أحمد. تجمدت. حتى أحمد نفسه نظر إلى يدها وكأنه لا يعرف ماذا يفعل. ثم رفعت ملك رأسها إليه وقالت:
«ممكن تجرب؟» حدق فيها لثوانٍ. ثم نظر إليَّ. ولأول مرة منذ عامين، لم تكن عيناه باردتين. كان فيهما شيء آخر. شيء لم أستطع تفسيره. وقال بهدوء: «ممكن.» فتحت فمي بدهشة. «أحمد…» قاطعني دون أن يبعد عينيه عن ملك: «أنا قلت ممكن، مش وعد.» ضحكت ملك. «يعني وافقت!» ثم قفزت من مكانها واحتضنته من خصره. تصلب جسد أحمد بالكامل. واضح أنه لم يكن معتادًا على الأطفال. ولا على الأحضان. ولا على أي شيء يشبه الدفء.
لكنه بعد لحظات… وضع يده فوق رأسها. ربت عليها مرة واحدة. ثم قال: «طيب يا ملك… عندي شرط.» رفعت وجهها إليه. «إيه؟» «ممنوع تقولي لأي حد في الشركة إنك عايزة تتجوزيني لمامتك.» شهقت ملك: «ليه؟!» نظر إليَّ. وظهرت تلك الابتسامة الصغيرة على شفتيه. «عشان مديرتك ممكن ترفدها.» شعرت أن الدم انسحب من وجهي. «أحمد!» ضحكت ملك بصوت عالٍ.