
سلفتي جاتلي البيت منهارة وبتعيط، وجايبة معاها علبة قطيفة، حلفتني بحياتي أشيلها أمانة عندي من غير ما جوزي يعرف، عشان جوزها بيمر بضائقة مالية وعاوز ياخد دهبها يبيعه غصب عنها. صعبت عليا وخدتها خبيتها. لكن المصيبة اللي مكنتش عاملة حسابها، إن بعدها بيومين، لقيت الباب بيخبط وجوزي داخل عليا البيت زي الإعصار ومعه أخوه وسلفتي اللي بتصوت وتتهمني إني دخلت شقتها وسرقت دهبها! ولبستني تهمة سرقة وخيانة، لكن اللي حصل بعدين… البيت كان هادي، وأنا قاعدة مستنية “جلال” جوزي يرجع من الشغل. فجأة، صوت خبط على الباب مش طبيعي، خبط كأن في مصيبة بره.
فتحت الباب، ولقيت جلال في وشي، وشه مخطوف وعينيه بتطق شرار، ووراه أخوه “محمود” وسلفتي “شيرين” اللي عاملة مناحة ودموعها مغرقة وشها. قبل ما أنطق وأقول في إيه، جلال زق الباب ودخل، صوته كان بيرج حيطان الشقة: ”فين العلبة يا حبيبة؟! العلبة اللي شيرين شافتك وإنتي بتاخديها من تسريحتها امبارح فين؟!” أنا اتسمرت مكاني، الكلمة نزلت عليا زي جردل ماية ساقعة في عز الشتا. بصيت لشيرين بصدمة، لقيتها بتتشحتف وتستخبى ورا ضهر جوزها وتقول:
”أنا مكنتش مصدقة عيني يا محمود! شفتها بعيني وهي طالعة من أوضتي والعلبة في إيدها، بس اتكسفت أتكلم عشان دي مرات أخوك الكبير، بس ده شقايا وشقا عيالي وحقهم!” الصدمة لجمت لساني. شيرين اللي جاتلي من يومين بتترجاني وتحلفني على المصحف أخبي دهبها عشان محمود مياخدوش، جاية دلوقتي تتهمني إني دخلت شقتها وسرقته؟! حاولت أجمع أعصابي، وبصيت لجلال اللي كان بيبصلي بنظرة خذلان عمري ما هنساها، وقلت بصوت بيترعش: ”جلال، والله العظيم كدابة! هي اللي جاتلي لحد هنا وادتني العلبة وقالتلي شيليها أمانة عشان محمود مـ…”
قاطعني محمود بصوت عالي كله غل: ”أمانة إيه يا هانم؟! مراتي عمرها ما خطت عتبة شقتك من أسبوعين! وبعدين أنا مش محتاج أبيع دهب مراتي أنا لسه قابض جمعية! إنتي اللي عينك راشقة في دهبها من يوم ما اتجوزنا!” الدنيا اسودت في عيني. الخطة كانت محبوكة صح، شيرين استغلت إني مبنزلش كتير وإن جلال كان مشغول ومبيرجعش إلا متأخر، ورمت عليا التهمة عشان تداري على مصيبة هي عملاها وتطلعني أنا الحرامية! جلال قرب مني، مسك دراعي بعنف وقال من بين سنانه:
”هاتي العلبة يا حبيبة.. هاتيها بدل ما أقسم بالله العظيم أعمل تصرف مش هيعجبك ولا هيعجب أهلك دلوقتي حالا!” دموعي نزلت، قلتله وأنا بشهق من العياط: ”حاضر.. هجيبها، وهثبتلك إنها كدابة وإن العلبة مقفولة زي ما هي جابتهالي بالظبط!” جريت على أوضة النوم، قلبي هيقف من الخوف والقهرة. فتحت الدولاب، وطلعت العلبة القطيفة من تحت الهدوم زي ما شيلتها. مسكتها وطلعتلهم الصالة، ورميتها على الترابيزة قدامهم وقلت بقوة مستمدة من قهرتي: ”أهي العلبة! افتحها يا جلال وشوف بنفسك، مقفولة زي ما الكدابة دي سابتهالي من يومين!”
شيرين بصت للعلبة، وابتسامة خبيثة اترسمت على شفايفها لثانية واحدة قبل ما ترجع تمثل وتعيط تاني. جلال مد إيده، كسر القفل الصغير بتاع العلبة وفتحها… وهنا كانت الكارثة. العلبة مكنش فيها دهب شيرين… العلبة كان فيها حاجة تانية خالص، حاجة خلت جلال يرجع لورا خطوتين ووشه يبهت ويفقد النطق، وحاجة خلتني أقع على ركبي وألطم على وشي وأنا مش مصدقة عيني من الصدمة!! #الكاتبه_نور_محمد العلبة اتقفلت في إيد جلال بصوت كسر القفل الخشب… وسقطت منها الأوراق والقطع اللي كانت جواها على ترابيزة الصالة.
لم تكن العلبة تحتوي على غويشة واحدة من دهب شيرين، ولا خاتم من اللي كانت بتباهى بيهم قدام العائلات… العلبة كان جواها ثلاثة إيصالات رهن رسمية من محل صاغة شهير في وسط البلد، بتاريخ من أربعة شهور فاتوا، باسم “شيرين عبد السلام” وصورة بطاقتها الشخصية ملصوقة على أصل المبايعة! ومعاها طقم أكسسوارات حريمي من النحاس الأصفر المطلي اللي بيلع من بعيد، لكن القشرة بتاعته مقشرة من الجوانب ومبينة المعدن الرخيص اللي تحته، وستة وصلات أمانة ممضية على بياض باسم شيرين لشخص غريب!
تسمر الجميع في أماكنهم… الصمت خيم على الشقة كأنها مقبرة، صوت أنفاسنا العالية كان هو الحتة الوحيدة الشغالة في الكون. جلال وشه اتخطف، ألوانه اتغيرت من الأحمرار الشديد للصفرة الباهتة كأنه شاف شبح. مد إيده بتترعش، مسك إيصالات الرهن وقرأ الاسم والتاريخ بصوت واطي ومذهول: ”إيصال رهن دهب… المبلغ 180 ألف جنيه… المستلم: شيرين عبد السلام… الرقم القومي… بتاريخ 12 نوفمبر اللي فات?!” محمود أخوه قرب بذهول، عينيه كانت هتطلع من مكانها، شد الإيصالات من إيد جلال وبدأ يقرأ بتركيز، وركبه بدأت تتخبط في بعضها:
”إيه ده؟! دهب إيه اللي مراهون من أربع شهور؟! وشيرين مين اللي بايعة وموقعة برقم بطاقتها?!” في اللحظة دي، شيرين اتراجعت خطوتين لورا، وشها أبيضّ زي الملاية البيضا، والدموع اللي كانت بتنزل لمسرحية السرقة جفت تماماً من عيونها، وحل مكانها رعب حقيقي. حاولت تتلعثم وتصرخ: ”كـ.. كدب! والله العظيم كدب! دي… دي سارة هي اللي زوّرت الأوراق دي! هي اللي بدلت الدهب بالنحاس وزوّرت بطاقتي عشان تلبسني مصيبة!”
قمت من على الأرض ببطء… الصدمة اللي كانت شلاني أتحولت في ثواني لبركان غضب وقوة عمري ما عرفت إني بمتلكها. مسحت دموعي بقسوة، وقربت منها بثبات وأنا ببص في عينيها مباشرة: