منوعات

سلفتى حكايات رومانى مكرم 3

رجعت فريدة لبيتها مع جوزها “عادل” وهي حاسة بك.سرة عين لم تذوقها في حياتها قبل كده. دخلت شقتها في القاهرة، وكانت حاسة إن الجدران بتضايق عليها، وكل زاوية افتكرت فيها عمايلها البشة واستغلالها لـ “هدى” و”نسرين” بقت تشهد عليها. عادل ما بقاش يكلمها إلا على قد الكلمة، وكان زعل رجل الأصيل والشهامة بيبان في صمته ونظراته الجافة، وده كان أشد عليها من الضر.ب والشـ.تيمة.

في الوقت ده، كان بيتنا إحنا ماليان بالدفا والراحة. نسرين وُضعت في مكانة أرقى وأعلى في نظري ونظر تامر. أثبتت في الموقف ده إنها مش بس بنت أصول صبورة، دي كمان كانت سند ليا وعقلانية ومبتكبرش المشاكل على الفاضي. بعد مرور حوالي أسبوعين من السفرية اللي غيّرت مجرى علاقتنا، وفي يوم الجمعة بالليل، التليفون رن وكان المتصل “عادل”. تامر فتح السبيكر واستقبل عمّه بترحاب شديد: — “أهلاً يا عمي عادل.. جمعة مباركة عليك، اخبارك إيه؟”

عادل (بصوت مليان ود واحترام، بس فيه نبرة جدية): — “أهلاً يا تامر يا ابني.. الله يبارك فيك. أنا متصل بيك وبأمك الغالية عشان أبلغكم بحاجة، وأخد رأيكم في موضوع مهم جداً.” هدى (قربت من التليفون وقالت بصوت هادي): — “خير يا عادل يا أخي؟ اتفضل، البيت بيتك والكلام معاك على راسنا.” عادل: — “الله يعزك يا أم تامر.. أنا بعد اللي حصل، لقيت إن الواجب والأصول يتحتموا عليا أرد كرامتكم قدام العيلة كلها. الشقة بتاعة العجمي دي أنا بعتها خلاص وببيع عقودها الأسبوع ده، ومبقتش عاوز أي حاجة تفكرني بالمهزلة اللي حصلت فيها من ورايا.”

هدى ونسرين اتصدموا وبصوا لبعض بذهول! تامر (باندهان): — “بعتها يا عمي؟! ليه بس؟ دي شقتك وتعُبت فيها في الغربة!” عادل (بإصرار): — “بعتها يا ابني عشان اللي ميعرفش يصون الشقة ويستقبل فيها أهلي الأكابر بالمعروف، ما يستاهلش تقعد في إيده. وبفلوسها أنا أجرنا شاليه فندقي على البحر مباشرة في شاطئ خاص في الساحل الشمالي لمدة أسبوع كامل، والعزومة دي مش عزومة فريدة.. العزومة دي من عادل شخصياً لأم تامر وتامر ونسرين بنت الأصول!” هدى (بحرج وأدب):

— “يا عادل يا أخي، ربنا يزيدك من نعيمه، بس احنا خلاص صيفنا وأخدنا كفايتنا ومش عاوزين نكلفك حاجة، والحمد لله كرامتنا ردت بيك وبرجولتك.” عادل (بصرامة وتوسل):

— “والله العظيم يا أم تامر، لو رفضتم العزومة دي لتكونوا بتك.سروا بخاطري وبترفضوا اعتذاري! أنا أخدت إجازة مخصوص من شغلي في الخليج، وهنطلع كلنا بعربيتي الخاصة، وفريدة جاية معاكم، بس المرة دي جاية وهي عارفة مقامها وقيمتكم، ومفيش ولا مخلوق من أهلها هيهوب ناحية الشاليه ولا حتى يشم ريحته! الشاليه فيه خدمة فندقية، أكل جاهز بيوصل لحد السفرة، وتنظيف يومي من الفندق، وأنتِ ونسرين هتروحوا تقعدوا أميرات، ولا تشيلوا كوباية ولا تقفوا أمام بوتاجاز دقيقة واحدة!”

تامر بص لي ولنسرين، ولقى في عيوننا التردد، فحب يطيب خاطر عمّه ويحفظ هيبته: — “خلاص يا عمي.. مادام حلفات وبقت عزومة راجل لأهله، احنا تحت أمرك، وما نرضاش نك.سر بخاطرك أبداً.” فريدة أخدت التليفون من جوزها، وصوتها كان منك.سر ومختلف تماماً عن فريدة القديمة: — “هدى.. يا أم تامر، أرجوكي اقبلي، أنا والله العظيم حاسة بذنب كبير، ونفسي من قلبي أخدمكم بعيني وأشوفكم مبسوطين عشان ربنا يرضى عني ويصلح حال بيتي مع عادل.” هدى:

— “خلاص يا فريدة.. اللي فات ما.ت، وربنا يهديكِ ويجعل بيتك عامر بالخير والأصول.” اتفقنا على السفر بعد يومين. يوم الأحد الصبح بدري، جت عربية عادل الفخمة المكيفة لحد باب البيت عندنا. نزل عادل بنفسه وأخذ الشنط، وفريدة نزلت من العربية، وجت لحد عندي واستقبلتني بالبوس والأحضان، وسلمت على نسرين بكل احترام وتقدير وقالت لها: “نورتي يا نسرين يا حبيبتي، الشاليه ينور بيكي.” ركبنا العربية، وتحركت بينا على طريق الساحل الشمالي السريع. الطريق كان سلس ومريح، والتكييف مغرق العربية بالهواء البارد، وعادل مغير الجو بالضحك والحكايات الكريمة، وفريدة طول الطريق بتوزع علينا عصاير وفواكه ومستعدية لخدمتنا بابتسامة خفيفة ورزينة.

وصلنا الشاليه في الساحل.. كان حاجة من الخيال! شاليه أرضي بحديقة خاصة بتطل مباشرة على الرملة الناعمة والبحر المفتوح الصافي. الشاليه جواه تكييفات مركزية، أثاث مودرن نظيف جداً، وحمامات فندقية بريحة اللافندر، وعاملين الفندق واقفين برة مستنيين إشارتنا عشان يشيلوا الشنط ويوصلوا الأكل. دخلت أنا ونسرين أوضتنا الرئيسية المطبّة على البحر، ونسرين بصت لي وهي مش مصدقة التغير العجيب اللي حصل: — “سبحان مغير الأحوال يا طنط! من شقة العجمي الكركبة ورملة الهدوم والمطبخ السخن، لشاليه الساحل والخدمة الفندقية!”

هدى (بطمأنينة ورضا): — “ده فضل ربنا يا بنتي.. لما ترفضي الإهانة وتصوني كرامتك بالحق ومن غير قلة أدب، ربنا بيرد لك حقك بأضعاف ما كنتِ تتمني. عادل راجل أصيل، وفريدة أخذت الدرس اللي يخليها تمشي عدل بقية حياتها.” في نفس اليوم على الساعة 5 المغرب، قعدنا كلنا في الحديقة الخشبية بتاعة الشاليه على البحر. الشاي بالنعناع اتخدم علينا من خدمة الفندق، والحلويات والمك.سرات محطوطة على السفرة. وفي وسط الروقان ده، وفريدة قاعدة جنبنا بكل أدب وبتحاول تعوض كل كلمة قاسية قالتها زمان، لقينا تليفون فريدة بيرن!

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى