
أول ما فتحت الباب، كان العريس واقف على رجليه ومستند بصعوبة على العكاز، وعينيه طالع منها شرار يكتوي بيه أي حد قدامه. وراه كان واقف الشاب اللي بيساعده ومعاه حارسين جسمهم زي الحيطة. أول ما شافني، ابتسامة السخرية والغل عادت على وشه من تاني، وقال بنبرة حادة وواثقة: “أهلاً يا ست العاقلة.. جيت لك في بيتك تاني عشان تشوفي بنفسك إن كلمتي هي اللي بتمشي، وإن الفلوس اللي تتسفهي بيها بتجيب أختك لرجلي زي الخدامة!”.
وقف قدامه بثبات وأنا حاطة إيدي في وسطي، وقفل مساحة الرعب اللي كان بيحاول يبثها في المكان، وقلت له بنبرة أبرد من التلج: “أنت فاكر لما تقف على رجليك بالعكاز وتجيب معاك حراسين وتزعق في نص الليل هترعبنا؟ أنت مجرد إنسان مريض وشبع بعد جوع، داخل البيوت تتفرد بعقدك النفسية وتضر.ب واحدة ست وتستقوى عليها بالخيزرانة لأنك عارف إنك في الحقيقة ضعيف ومش قادر تملا عين حد!”.
كلامي نزل عليه زي الصاعقة، وشه اتغير وبقى أصفر من الغيظ، والحراس اللي وراه تباعدت نظراتهم بذعور من جراءتي. رفع العكاز في وشي وهو بيجز على أسنانه بصوت مرعب: “أنا هربيكي أنتِ وأهلك كلهم! أختك مراتي على سنة الله ورسوله، وكتبت الكتاب بمهري وفلوسي، يعني تخرج معايا فوراً وإلا والله العظيم هطلب لها البوليس بتهمة السرقة، وأقفل البيت ده عليكم وأرمي أباكِ في السجن بتهمة النصب!”.
أمي أول ما سمعت سيرة البوليس والسجن، خرجت تجري من جوه وبدأت تعيط وتوطي على إيده وهي بتقول بك.سرة: “لا يا بيه.. أبوس إيدك، بلاش البوليس! إحنا ناس على قد حالنا ومش حمل الفضايح.. البنت غلطانة وخرجت من غير إذنك، بس وحياة ربنا هي كانت خايفة.. ارحمنا يرحمك ربنا!”. زقيت إيد أمي بعيد عنه ومسكتها من كتفها وقومتها بثبات، وبصيت في عين أمي وقلت لها بصوت جهوري هز الطرقة: “ارفعي راسك يا أمي! ما توطيش لإنسان رخيص زي ده.. اللي بيطي له بيتداس بالأقدام، والبيت ده مش هيدخله ولا هياخد منه نملة غصب عنا!”.
لفت وشي للعريس وقلت له بعلو صوتي عشان الشارع كله يسمع: “أنت عايز أختي؟ أعلى ما في خيلك أركبه! طلب البوليس؟ اطلبه حالا! وتيجي النيابة وتشوف التقرير الطبي لجسد أختي والضر.ب اللي في وشها وجسمها بعصايتك! ونشوف ساعتها القانون هيحمي المريض اللي بيعذب مراته ولا هيجيب حقها.. وأنا بكرة الصبح هيكون المحامي بتاعي صابح في محكمة الأسرة برفع قضية خلع وتعدي، وبلاغ للنيابة بشرعك وطريقة معاملتك!”.
العريس رجع خطوة لورا بحيرة وضياع، ما كانش متوقع إن البنت الفقيرة اللي كان فاكر إنه هيدوس عليها هي اللي هتطلع له بالأسلحة دي وتعرف القانون أكتر منه. الحارس اللي جنبه قرب منه وهمس في أذنه بخوف: “يا بيه بلاش فضايح، الناس في الشارع بدأت تتجمع والقصة دي لو وصلت للصحافة أو العيلة عندك هتخرب الدنيا.. بلاش نيابة دلوقتي!”.
العريس بصلي ونظرة الغل في عينيه تحولت لكره أعمى ومسموم، رفع إيده وهزها بتهديد مباشر: “فاكرة نفسك شاطرة يا عفاف؟ فاكرة إنك كدة كسبتي الماتش؟ أنتِ فتحتي على أهلك باب جهنم مش هيتقفل.. أختك مش هتشوف يوم عدل، وحسابي معاكي أنتِ بالذات هيكون عسير أوي.. مش أنا اللي حتة بت فقيرة تتحداني!”. لف ظهره ببطء ومشي وهو بيتسند على العكاز ومستند على الحارس بتاعه، وركبوا العربيات ومشيت بصوت فرامل مرعب رن في كل الشارع.
أول ما العربيات اختفت، أمي اترمى جسدها على الكنبة وهي بتبكي بدموع حارة، وبصت لي وهي بتضر.ب على صدرها: “يخرب بيتك يا عفاف.. دمرتينا! الراجل ده واصل ومش هيسيبنا في حالنا.. هيقطع عيشنا وهيشرّدنا في الشوارع!”. أبويا قعد جنبها وعينه في الأرض، بس للمرة الأولى بصلي وقال بصوت هادي ومكسور: “عندها حق يا أميمة.. البت عندها حق، إحنا اللي بعنا شهد من الأول، وعفاف هي الوحيدة اللي وقفت تجيب حق اختها وكرامتنا.. أنا مش هسمح له يمس بت من بناتي تاني حتى لو هشتغل شغال في الشوارع!”.
شهد خرجت وحض.نتني وهي بتبكي وتقول: “شكراً يا عفاف.. أنتِ أنقذتيني من المو.ت، بس أنا خايفة عليكي منه.. الراجل ده شرير ومش هيعديها بالساهل”. ابتسمت لها وجسمي كله بيترعش من المجهود والضغط، وقلت لها: “اللي بيخاف من العفريت بيطلع له.. طالما إحنا على حق، ربنا مش هيسيبنا”.
عدت أيام قليلة، والهدوء اللي كان في البيت كان هدوء ما قبل العاصفة.. لحد ما في يوم الصبح، جالي إخطار رسمي على البيت، وباب الشقة اتخبط بقوة من راجل لابس بدلة سمرا.. واكتشفنا إن العريس بدأ خطة الانتقام الفعلية، بس المرة دي الضر.ب لم يكن لشهد ولا لأمي.. الضر.ب جه في أكتر حاجة تمسني أنا شخصياً!
فتحت الإخطار وإيدي بتهتز، وكانت الصدمة إن العريس ما اكتفاش بالتهديد، ده بدأ يتحرك بأساليب مسـ,ـمومة عشان يقطع نفسي ونفس العيلة كلها. الإخطار كان إنذار بطردنا من الشقة اللي ساكنين فيها! اتضح إن العريس اشترى العمارة باللي فيها من صاحبها القديم بفلوسه، وطالب بإخلائها فوراً بحجة الترميم وبأوراق مسبوكة ومحامية مطلعين فيها كل الثغرات. مش بس كده، أبويا اللي شغال محسباتي في شركة صغيرة، جه بالليل ووشه أصفر ومخطوف.. أخد استقالة مسببة تحت الضغط بعد ما الشركة جاتلها تعليمات من جهات أعلى بتنفيذ كشوفات وتقليص العمالة، والكل فاهم مين اللي واقف ورا القرارات دي!
