
الريس التاكسي، راجل كبير وشكله ابن أصول، بصلنا في المراية وقال: — “والله يا أختي العجمي والبيطاش زحمة وهيصة وعيال، لو عاوزين نظافة وروقان وبحر نضيف وشقق على العائلات، أوديكم البيطاش عند شارع شهر العسل أو نطلع على منطقة الهانوفيل في الشوارع المقفولة اللي على البحر، هناك فيه أبراج جديدة شققها فندقية.” — “ودينا المكان النضيف يا أسطى، ربنا يبركلك.” وصلنا عند برج حديث جداً يطل مباشرة على شاطئ “شهر العسل”. الشارع نضيف ومفيهوش الزيطة ولا الهيصة بتاعة شقة فريدة. نزلنا، ولقينا أمن وصاحب البرج، راجل محترم اسمه “الحاج جابر”.
طلبت منه شقة، فقالنا: “عندنا شقة في الدور السادس، أسانسير شغال 24 ساعة، تطل على البحر مباشرة، فيها تكييفات في كل الأوض ومطبخ أمريكاني متقفل ألوميتال وأجهزة حديثة كلها جديدة.” طلعنا نشوف الشقة.. أول ما فتح الباب، الهواء البارد بتاع التكييف ضر.ب في وشنا، والشباك الكبير بتاع الصالة مفتوح على البحر، المية الزرقاء والموج بينور تحت شمس الصباح. الصالة فيها أنتريه مريح وأرضيات سيراميك بتلمع زي المراية، والحمام نضيف زي الفل بريحة المعطرات، والمطبخ فيه ثلاجة حديثة وبوتاجاز مسطح ومايكروويف.
نسرين بصت للشقة وعينيها وسعت من الفرحة: — “يا الله يا طنط! دي أجمل بكتير من شقة طنط فريدة الزحمة المليانة رملة وبقسومات!” صاحب الشقة قالنا: “الإيجار هينزل لكم عشان عائلة ومفيش شباب، واليوم بسعر معقول.” دفعت له إيجار 5 أيام مقدم، وأخذنا المفاتيح. أول حاجة عملناها، دخلنا أخدنا دش مية باردة نزلنا بيه تعب السفر وتعب وقفة المطبخ بتاعة امبارح. طلعت نسرين وهي بتضحك ولابسة دريس صيفي خفيف، ولأول مرة من يومين أسمع ضحكتها من قلبها.
— “يلا يا نسرين.. مفيش طبيخ ولا تقشير بطاطس النهاردة! ننزل على الشارع نجيب فطار الملوك.” نزلنا الشارع، دخلنا محل فول وطعمية ونظافة وفرن آلي، جبنا علب علب: فول بالزيت الحار، طعمية محشية كيري، فطير مشلتت سخن طالع من الفرن، وعسل ونحل وقشطة، وعصير قصب من المحل اللي جنبه. طلعنا الشقة، قعدنا في البلكونة اللي على البحر، المفرش مفروش، الهواء بيرد الروح، وبدأنا ناكل بفتح شهية وتلذذ. نسرين كانت بتاكل وتقول:
— “تسلم إيدك يا تامر، والله ربنا يخلك لينا وما يحرمنا منك ابداً.”
بعد الفطار، اتصلت بتامر وقالت له:
— “تامر يا حبيبي.. احنا أجرنا شقة زي القصر على البحر، وتكييف ونظافة. تعبت نفسك يا ابني بس ربنا يجعله في ميزان حسناتك.” تامر بصوت فرحان: — “بالهنا والشفا يا أمي. اطلعي البلكونة واستمتعي، وانزلي البحر، ولا تشيلي هم حاجة. ولو احتجتِ أي جنيه تاني كلميني فوراً. وعمتي فريدة دي، أنا هعرف أحاسب جوزها لما يرجع من السفر على الأسلوب اللي عاملتكم بيه ده.” سيبنا التليفون، واستريحنا ساعتين على السرائر النظيفة، التكييف شغال والملايات ريحتها داوني ونظافة. على الساعة 4 العصر، لبسنا نسرين وأنا وجبنا كراسي وشمسية، ونزلنا على الشاطئ الخاص بالبرج.
المية كانت صافية والهواء منعش. قعدنا على البحر، طلبنا درة مشوي وآيس كريم، ونزلنا بل بلنا رجلينا في المية ونزلنا نلعب زي الأطفال. نسرين كانت بتضحك وتتصور وتغير جو بجد، وأنا حسيت إن ضغطي اللي كان مرفوع من القهرة ونكد فريدة بدأ ينزل ويروق. ونحنا قاعدين على الكراسي بنشرب شاي بالنعناع في غروب الشمس، تلفوني رن. بصيت في الشاشة لقيته رقم “فريدة”! بصيت لنسرين وقلت لها: “شوف المتصل.. فريدة بتمسي.” رديت عليها وفتحت المايك السبيكر عشان نسرين تسمع.
هدى (ببرود وهدوء): — “أيوة يا فريدة.. خير؟” صوت فريدة كان فيه هيصة ودوشة عيال بتصرخ في الخلفية، وصوتها هي طالع مبحوح ومضغوط: — “أيوة يا هدى.. أنتِ فين يا أختي؟ أنتِ مشيتِ بجد ولا إيه؟ افتكرتك نازلة تجبي حاجة وجاية!” هدى (بضحكة خفيفة): — “أروح أفسح نسرين وأجيب حاجة؟ لا يا فريدة، احنا أجرنا شقة سوبر لوكس على البحر مباشرة، فيها تكييفات ومطبخ أمريكاني ونظافة، وقاعدين في البلكونة بنشرب شاي بالنعناع وبنتفرج على الغروب.”
فريدة (بصوت اتغير وحسد باين): — “أجرتوا شقة؟! ومنين يا حسرة؟ هو تامر لحق يبعت لكم فلوس؟ وكمان على البحر؟!” هدى: — “الحمد لله.. تامر ابني راجل، ما يرضاش أمه ومراته يتهانوا ولا يشتغلوا خدامين عند حد. بعت لنا المبلغ اللي يكفينا وزيادة، وقالي اتفسحوا وكلوا جاهز ومتقفوش في مطبخ.” فريدة (سكتت ثانية وبعدين قالت بنبرة ارتباك وتراجع):
— “طب.. طب ما تيجوا يا هدى تقعدوا معانا طيب؟ أصل البوتجاز عندي اتسد ومش عارفين نطبخ، وعيال أختي ك.سروا الخلاط، وأمي تعبانة ومش قادرة تقف تعمل أكل، وأختي سحر ما بتعرفش تولع عين البوتجاز.. تعالوا الشقة واسعة ونتلم مع بعض ونشارك الشقة!” بصيت لنسرين، لقينا بنضحك بصوت واطي على الاستغلال اللي في دمها. هدى (برزانة وقوة): — “لا يا فريدة، اللي يقعد في شقتك يمشي بقوانينك.. وأنا ونسرين قوانيننا الراحة والاستجمام، مش الخدمة في الشقق المفتوحة. خلي أختك وحماتها وعيال أخوكي ينفعوكي ويعملوا الأكل ويكنسوا الرملة. احنا طالعين نجيب أكل جاهز من مطعم الأسماك دلوقتي ونازلين البحر تاني.”
فريدة (بغل مكتوم): — “أها.. بقى كده يا هدى؟ تبيعيني عشان شوية الفلوس اللي ابنك بعتهم؟ ولسه ليا كلام تاني مع أخوكي لما نرجع القاهرة!” هدى: — “أعلى ما في خيلك اركبيه يا فريدة.. وسلام عشان الأكل السخن وصل.” قفلت الخط في وشها، وحسيت بنصر وفرحة مش طبيعية. نسرين مسكت إيدي وقالت لي: — “الله يخليكي لينا يا طنط.. والله أنتِ جيبتي لي حقي وحقك بحكمة وأدب.” قضينا باقي اليوم في الشارع، دخلنا مطعم أسماك معروف، طلبنا جمبري ومشوي وسمك دنار وشوربة سي فود، أكلنا لما شبعنا، وقضينا السهرة بنتمشى على الكورنيش ونشتروا تسالي وهدايا لتامر والبيت.
عدت الأيام، يوم ورا يوم.. كل يوم ننام ونصحى براحتنا، ننزل البحر، ناكل أكل نضيف جاهز من الشارع، نتفرج على الأفلام في الشقة بالتكييف، وفريدة أهلها مقضينها خناقات وتعب ونكد في شقتها بسبب الأكل والغسيل، وكل شوية يوصلني أخبار من قرايبنا إن فريدة بتعيط ومتدبسة في خدمة عيلتها ومفيش حد بيساعدها، والتكيف عندها عطل والأكل باخ! في اليوم الخامس، وقبل ما نسافر القاهرة بليلة، قررنا ننزل نشتري شويه حاجات للبيت وسوڤينيرات. ونحنا ماشيين في شارع السوق في العجمي، اتفاجئنا بشخص واقف قصادنا ووشه متبهدل ومفهاش حيل.. كانت “فريدة”!
كانت شايلة شنط خضار ثقيلة، وشعرها طالع من الطرحة، ووشها عرقان ومطفي، وماشية بتزق في العيال. أول ما شفتنا، وقفت مكانها وبصت على لبسنا النظيف والمكياج الخفيف وشكلنا المرتاح المبسوط… حكايات رومانى مكرم “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
